عبد القاهر الجرجاني

275

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وإذ قد عرفت هذا في " الكناية " ، " فالاستعارة " في هذه القضيّة . وذاك أنّ موضوعها على أنك تثبت بها معنى لا يعرف السّامع ذلك المعنى من اللّفظ ، ولكنه يعرفه من معنى اللّفظ . بيان هذا ، أنا نعلم أنك لا تقول : " رأيت أسدا ، إلّا وغرضك أن تثبت للرجل أنه مساو للأسد في شجاعته وجرأته ، وشدّة بطشه وإقدامه ، وفي أن الذّعر لا يخامره ، والخوف لا يعرض له . ثم تعلم أن السامع إذا عقل هذا المعنى ، لم يعقله من لفظ " أسد " ، ولكنه يعقله من معناه ، وهو أنه يعلم أنه لا معنى لجعله " أسدا " ، مع العلم بأنه " رجل " ، إلا أنك أردت أنه بلغ من شدّة مشابهته للأسد ومساواته إيّاه ، مبلغا يتوهّم معه أنه أسد بالحقيقة . فاعرف هذه الجملة وأحسن تأمّلها . واعلم أنك ترى الناس وكأنهم يرون أنك إذا قلت : " رأيت أسدا " ، وأنت تريد التشبيه ، كنت نقلت لفظ " أسد " عما وضع له في اللغة ، واستعملته في معنى غير معناه ، حتّى كأن ليس " الاستعارة " إلّا أن تعمد إلى اسم الشيء فتجعله اسما لشبيه ، وحتى كأن لا فصل بين " الاستعارة " ، وبين تسمية المطر " سماء " ، والنّبت " غيثا " ، والمزادة " راوية " ، وأشباه ذلك مما يوقع فيه اسم الشيء على ما هو منه بسبب ، ويذهبون عمّا هو مركوز في الطّباع من أن المعنى فيه المبالغة ، وأن يدّعي في الرجل أنه ليس برجل ، ولكنه أسد بالحقيقة ، وأنّه إنما يعار اللفظ من بعد أن يعار المعنى ، وأنه لا يشرك في اسم " الأسد " ، إلّا من بعد أن يدخل في جنس الأسد . لا ترى أحدا يعقل إلّا وهو يعرف ذلك إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع . ومن أجل أن كان الأمر كذلك ، رأيت العقلاء كلّهم يثبتون القول بأن من شأن " الاستعارة " أن تكون أبدا أبلغ من الحقيقة ، وإلّا فإن كان ليس هاهنا إلّا نقل اسم من شيء إلى شيء ، فمن أين يجب ، ليت شعري ، أن تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة ، ويكون لقولنا : " رأيت أسدا " ، مزيّة على قولنا : " رأيت شبيها بالأسد " ؟ وقد علمنا أنّه محال أن يتغيّر الشيء في نفسه ، بأن ينقل إليه اسم قد وضع لغيره ، من بعد أن لا يراد من معنى ذلك الاسم فيه شيء بوجه من الوجوه ، بل يجعل كأنه لم يوضع لذلك المعنى الأصليّ أصلا . وفي أي عقل يتصوّر أن يتغيّر معنى " شبيها بالأسد " ، بأن يوضع لفظ " أسد " عليه ، وينقل إليه ؟ واعلم أن العقلاء بنوا كلامهم ، إذا قاسوا وشبّهوا ، على أن الأشياء تستحق الأسامي لخواصّ معان هي فيها دون ما عداها ، فإذا أثبتوا خاصّة شيء لشيء ، أثبتوا له